يأتي المحور الاستراتيجي البحثي للمجادلة، لعام 2026-2028 سعياً لإحياء هذه الرؤية الاجتماعية الإسلامية في عالمنا المعاصر، متناولاً أسئلة جوهرية حول الطبيعة البشرية، وغايتها، ومصيرها، بهدف تقديم رؤية اجتماعية متكاملة للأفراد والمجتمعات والمؤسسات. ونسعى بهذا التركيز إلى فتح آفاق تفعيل هذه الرؤية بجعلها مبدأً توجيهيًا في حياتنا، مدركين حجم استعدادنا لمواجهة التحديات المُلحة، بدءًا من تداعيات التكنولوجيا الحديثة، والتغير المناخي، مرورًا بالتهديدات التي تُمثلها النزاعات والحروب على مستوى العالم، وصولًا إلى فهمنا للذات الإنسانية وتجاربها في اللحظة الراهنة.
يرتكز الموضوع على ثلاثة محاور رئيسة مترابطة: النفس الإنسانية (أصلها وغايتها)؛ المجتمعات المتداخلة (العلاقات الأسرية والمؤسسية والمجتمعية)؛ عافية الأفراد والمجتمعات. يُتناول كل محور من منظورين رئيسيين: المنظور التاريخي والأصولي، الذي يدرس كيفية تطور المفاهيم في العلوم والمذاهب الإسلامية؛ والمنظور التطبيقي المعاصر، الذي يربط هذه المفاهيم بالعالم الحديث.
تتميز الرؤية الأنثربولوجية في الفكر الإسلامي بوصفها الإنسان على أنه كيان جامع للروح والعقل والجسد يعيش ويترقّى في العوالم الكونية، ولا يُختزل في ثنائية تفصل بين العقل والجسد - كما في النظرية الديكارتية-، ولا يُصوَّر على أنه تفاعلات مادية وعصبية فحسب -كما في علم النفس المعاصر.
يركّز محورنا الثاني على الجماعة بوصفها فضاءً تتشكّل فيه العلاقات الفردية والمجتمعية والمؤسسية في علاقة تأثير متبادل. ننطلق من أن الفكر الإسلامي الفقهي والأخلاقي ذو طبيعة علائقية في جوهره، لا فردانية؛ إذ يحتلّ مجال المعاملة صميم الفقه الإسلامي والحكمة العملية.
للإنسان مبدأٌ من الله، ومعادٌ إلى الله. ويتوقف تحقّق عافيته، وكماله، وسعادته على عيشه في انسجامٍ مع غايته الوجودية الممتدة بين المبدأ والمعاد. وتشكل هذه المفاهيم الثلاثة -مجتمعةً- نموذجًا إسلاميًّا متكاملًا للحياة الطيبة، بما ينسجم مع الرؤية الإسلامية للتعايش.
لا تنحصر مباحث الأنثروبولوجيا وعلم النفس في التراث الإسلامي ضمن اختصاصات مستقلّة، بل تتداخل مع منظومة واسعة من العلوم والمعارف الإسلامية. فالمسائل المتعلّقة بالنفس الإنسانية والمجتمعات والعافية والسعادة تتقاطع مع طيفٍ واسع من العلوم وتتداخل فيما بينها، بما يشمل تفسير القرآن وتفسير الحديث وعلم الكلام والفلسفة والفقه، والتصوف، والأخلاق، والأدب ومن هنا، نتطلّع إلى أن تجمع المشاركات البحثية بين هذه التخصصات التقليدية، وبين التخصصات المعاصرة في علم النفس والعلوم الاجتماعية والأنثروبولوجيا. ونأمل أن تُسهم أبحاثنا في إضفاء مزيدٍ من الاتساق والعمق على التفاعل مع الحوارات الأكاديمية والعامة المعاصرة.
تتميز الرؤية الأنثربولوجية في الفكر الإسلامي بوصفها الإنسان على أنه كيان جامع للروح والعقل والجسد يعيش ويترقّى في العوالم الكونية، ولا يُختزل في ثنائية تفصل بين العقل والجسد - كما في النظرية الديكارتية-، ولا يُصوَّر على أنه تفاعلات مادية وعصبية فحسب -كما في علم النفس المعاصر. يقدّم الفكر الإسلامي طيفًا واسعًا من المصادر التي تتناول مسائل جوهرية في هذا المجال، من أبرزها: كيفية إدراك الإنسان لذاته، وكيف يتوجه نحو تحقيق العافية والسعادة في الدنيا والآخرة. نتناول هذا المحور البحثي من المنظور التاريخي الأصولي، إلى جانب المنظور التطبيقي المعاصر.
المنظور التاريخي الأصولي والمرتكزات العقدية:
لم تتشكّل التصوّرات الإسلامية للذات الإنسانية وملكاتها وأصلها في معزلٍ عن غيرها، بل نشأت بتفاعلٍ ممتدّ مع المذاهب الفكرية القديمة، كالفكر الهلنستي، ومع السجالات الكلامية لعلماء الإسلام، ومع ما راكمته الممارسات الأخلاقية والروحية من حِكمٍ ومعارف عبر القرون. يُعدّ إدراك هذا الامتداد التاريخي أمرًا أساسيًّا لتصور كيفية استحضار هذا التراث الحِكمي، ولمعالجة واقعنا المعاصر. وقد تشمل الموضوعات والأسئلة ضمن هذا المسار ما يلي:
التطبيقات المعاصرة والتحديات الراهنة:
يدعو هذا المحور إلى تقديم إسهامات علمية تتناول سؤالين رئيسين: (1. كيف يمكن توظيف التصور الإسلامي للذات والنفس الإنسانية في مقاربة القضايا المعاصرة المتصلة بالتعليم، والأخلاق، وعلم النفس؟ (2. ما التحديات الراهنة التي تواجه تفعيل التصور الإسلامي للنفس والرؤية الإسلامية للتعايش في واقعنا المعاصر؟ نرحّب خاصةً بالإسهامات التي تستحضر الموارد المعرفية الكامنة في التراث الإسلامي، وتُدخلها في حوار علمي رصين مع التحديات الراهنة، من قبيل التغير المناخي، والنزاعات والحروب، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات الحديثة. كما نرحّب بالمقترحات الخاصة بالورش التطويرية والبرامج التدريبية المرتبطة بهذا المحور.
يركّز محورنا الثاني على الجماعة بوصفها فضاءً تتشكّل فيه العلاقات الفردية والمجتمعية والمؤسسية في علاقة تأثير متبادل. ننطلق من أن الفكر الإسلامي الفقهي والأخلاقي ذو طبيعة علائقية في جوهره، لا فردانية؛ إذ يحتلّ مجال المعاملة صميم الفقه الإسلامي والحكمة العملية.
لا تعد هذه العلاقات، في التصور الإسلامي، ترتيبات نفعية عابرة بين أفراد أو جماعات تحكمها المصالح الذاتية فحسب، بل هي روابط أخلاقية وميثاقية، تُسهم في تكوين الإنسان والجماعة، بقدر ما تؤثر فيهما، وتُتمّم معاني وجودهما.
ويُشير مفهوم الأمة في الإسلام إلى جماعةٍ تهتدي بالهدي النبوي، وتسعى إلى تحقيق الازدهار الأخلاقي والاجتماعي والروحي. ومن هذا المنطلق، طوّر التراث الإسلامي أطرًا معرفية ومنهجية متكاملة، لتقويم صحة المجتمعات وعافيتها. وبالاستناد إلى هذا المعنى، يدعو هذا المحور إلى استكشاف معنى المجتمع السليم، والأسس التي تقوم عليها عافيته.
يُسهم مفهوم «المجتمعات المتداخلة» في تفسير التعقيدات التي تنطوي عليها الخبرات الجماعية المتراكبة للمسلمين اليوم؛ إذ ينتمي الفرد إلى مجتمعات متعددة قد تتكامل فيما بينها وقد تتنافر، أو تفتقر إلى الانسجام والتماسك. ويُفضي هذا التباين أو عدم الاتساق بين تلك المجتمعات إلى ما يمكن تسميته بالتنافر المعرفي، أي ذلك التوتر النفسي الذي قد يختبره الإنسان نتيجة انتمائه إلى مجتمعات متداخلة تحمل تصورات متعارضة بشأن القيم والمعايير والتوقعات. ومن أمثلة ذلك: التوتر القائم بين مقتضيات الانتماء الوطني والانتماء إلى الأمة الإسلامية. وفي المقابل، لا ينبغي للعلاقات الإنسانية في العالم الحديث أن تُختزل في نطاق التبادلات المادية أو أشكال التعاون النفعي؛ إذ إن هذا الاختزال يُفضي إلى العزلة الاجتماعية ويعمق الشعور بالوحدة والقلق.
المنظور التاريخي الأصولي والمرتكزات العقدية:
نتناول في هذا المحور الموضوعي دور المدارس المتنوعة في الفقه والأخلاق والسياسة والحوكمة في صياغة منظومة فكرية رصينة حول العلاقات الإنسانية، عبر مختلف الحقب التاريخية والسياقات الفكرية في الحضارة الإسلامية.
تأطير مفهوم المجتمعات المتداخلة: كيف يمكن للعلاقات الناظمة بين الوالد والابن، العالم والمتعلِّم، والحاكم والمواطن، والتاجر والعميل، والمدير والموظف، وسائر البُنى العلائقية المماثلة، أن تنهض على التزاماتٍ أخلاقيةٍ تؤطِّرها، وتسهم في توجيه الجماعة نحو الخير والسعادة، بما يتخطى حدود المنافع الفردية.
.تطوّر الهيئات المهنية ومأسستها باعتبارها أطرًا أخلاقية واقتصادية داعمة للأسرة والمجتمع.
التطبيقات المعاصرة والتحديات الراهنة:
لقد أسهمت التيارات المهيمنة في الحداثة المعاصرة في تضييق الأطر المفهومية حول الوجود الإنساني. فبات يُنظر إلى الإنسان بوصفه فاعلًا عصبيًا-اقتصاديًا، وتُختزل علاقاته في أبعادها المادية والتبادلية، بينما تتلاشى الجماعة لتغدو مجرد ارتباطاتٍ طوعيةٍ عابرة. وفي هذا الإطار الموضوعي، ننخرط في مقاربةٍ نقديةٍ للأطر الإسلامية الناظمة للعلاقات الاجتماعية، في حوارٍ مع التصوّرات الحداثية المهيمنة. نرحّب خاصةً بمقترحات الورش التطويرية والبرامج التدريبية ذات الصلة بهذا المحور.
دور المؤسسات الدينية والمعرفية المنظَّمة: إبراز دور كل من المسجد، والحَلَقة العلمية، والمجلس، كنماذج مؤسسية تسهم في إنشاء الروابط العلائقية واستدامتها، وترسيخ الفضيلة في المجتمعات.
التنافر المعرفي، وتضارب القيم، وتجزؤ الهوية في تجربة المسلمين ضمن المجتمعات المتداخلة ذات المتطلبات المعيارية المتعارضة: استكشاف الأطر الإسلامية لفهم هذه الحالات والتعامل معها.
سياسات الهوية الجماعية: دراسةُ قضايا المواطنة، ووضع الأقليات، وأشكال الانتماء السياسي والمشاركة المدنية التي يمكن للمبادئ الإسلامية أن تُقِرَّها أو تحتضنها أو تُسهم في إصلاحها بصورةٍ بنّاءة.
الزكاة والصدقة وعلاقتهما بالتصور الإسلامي للمسؤولية الاجتماعية، وسبل توظيفهما في مواجهة التحديات المعاصرة، كالبطالة، مع دراسة النماذج الإسلامية للعطاء وتنظيم الفضاءات المجتمعية.
استجلاء المفاهيم الإسلامية حول التنوع والعدالة والشمولية: واستكشاف سبل تفعيلها في السياقات المعاصرة بما يعزّز مبادئ التماسك الاجتماعي داخل مؤسسات الأقليات المسلمة ومجتمعات الأغلبية المسلمة على حد سواء.
للإنسان مبدأٌ من الله، ومعادٌ إلى الله. ويتوقف تحقّق عافيته، وكماله، وسعادته على عيشه في انسجامٍ مع غايته الوجودية الممتدة بين المبدأ والمعاد. وتشكل هذه المفاهيم الثلاثة -مجتمعةً- نموذجًا إسلاميًّا متكاملًا للحياة الطيبة، بما ينسجم مع الرؤية الإسلامية للتعايش. فالعافية تشير إلى السلامة الكاملة للنفس والجسد والعلاقات الاجتماعية. أمّا الكمال، فيُقصد به التحقّق التام للملكات الإنسانية عبر تحصيل المعرفة المؤصلة واكتساب الأخلاق الفاضلة. في حين تدلّ السعادة على توجّه النفس نحو الحقّ سبحانه، وهو غايتها، بما يتجلّى في حالةٍ من سكينة النفس والقرب من الله. ولا تُفهم هذه المفاهيم بوصفها مراحلَ متعاقبة، بل باعتبارها أبعادًا متكاملة لرؤيةٍ توحيديةٍ جامعة لفلاح الإنسان.
وعلى الرغم من أنّ المذاهب الفكرية في الإسلام لا تقدّم نموذجًا واحدًا مؤطرًا لمفهوم العافية، فإنّ ثمة أطرٍ ثلاثة مترابطة يمكن استحضارها معًا لإيضاح الكيفية التي يحيا بها الإنسان في انسجامٍ مع مبدئه ومنتهاه. أول هذه الأطر هو إطارُ مقاصد الشريعة، الذي يقدم تصور متعدّد الأبعاد للعافية الإنسانية في إطار الرؤية الكلية للتشريع الإسلامي ومقاصده الجامعة. ويشمل ذلك أ) حفظَ العقل بما يتضمّنه من السلامة المعرفية والفكرية، وب) حفظَ المال بما يتصل بتحقيق الاستقرار والرفاه الاقتصادي، كذلك ج) حفظ النفس، بما يؤسس للسلامة الجسدية والكرامة الإنسانية، فضلًا عن د) حفظ الدين و هـ) حفظ النسل بما يؤسّس للعافية الأسرية والمجتمعية. أما الإطار الثاني هو الإطار الأخلاقي والروحي، المؤصل في علمَي رياضة النفس وتهذيب الأخلاق، بهدف تنمية القدرات والملكات لدى الإنسان، وتوجيهه نحو الكمال الإنساني، عبر مناهج وأساليب متعدّدة تراعي الخصائص الفردية والاحتياجات والإمكانات الخاصة بكل شخص. ويأتي الإطار الثالث ليقدم نموذج العافية الكلّية كما يتجلّى في الطبّ النبوي وطبّ الحكمة، حيث يقوم على رؤية تكاملية تؤكّد التلازم بين صحة الأبدان والأنفس، وتبيّن كيف أنّ أمراض النفس والروح قد تظهر في هيئة اعتلالات بدنية، كما أنّ العلل الجسدية قد تُلقي بآثارها على البعد الروحي والنفسي للإنسان.
وتنهض هذه الأطر، في مجموعها، بتصورٍ تكاملي متماسك لعافية الإنسان، ينسج الصلة بين حياة الفرد وحياة الجماعة، وبين مبدأ الإنسان ومعاده الغائي.
ونظرًا لما يكتسبه هذا المحور من أهمية بالغة في سياقاتنا المعاصرة، فإننا نشجّع بصورة خاصة الإسهامات التي تستخرج من هذا التراث الفكري الموارد المطلوبة في حوارٍ علمي رصين مع التحدّيات الراهنة، كما نرحّب بمقترحات الورش التطويرية والبرامج التدريبية ضمن هذا المحور خاصة.
المنظور التاريخي الأصولي والمرتكزات العقدية:
مفهوم العافية في التصور النبوي كما وردت في الموسوعات الحديثية والطبّ النبوي، وذلك فيما يتعلق بالصحة الجسدية والاجتماعية والروحية.
مفهوم الكمال في أخلاق الفرد في المصادر الإسلامية في حوار نقدي مع الأخلاق الأرسطية والأفلاطونية وعلوم التزكية.
التكامل المعرفي عند علماء المسلمين ودمج مفاهيم العافية والكمال والسعادة ضمن إطارٍ واحد يجمع بين تزكية النفس، واكتساب المعرفة، وصلاح العمل (الغزالي والإصفهاني نموذجا)
التصورات التي قدّمتها المدارس العقدية والفلسفية والروحية حول الترابط بين العافية والكمال والسعادة.
. مقاصد الشريعة باعتبارها أصلًا تأسيسيًا لمفهوم العافية على الصعيدين الفردي والجماعي: دور المقاصد الفقهية الخمسة (حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال) في تأصيل مفهوم صلاح الإنسان وفلاحه.
الكمال والجندر، ومَن كان موضوعًا لنظريات الكمال في التراث الإسلامي: بحثُ الإشكاليات المرتبطة بتحديد مفهوم الكمال ضمن الخطاب التراثي، ولا سيّما فيما يتعلق بالجدال الكلاسيكي حول القدرات العقلية والروحية للمرأة، والموارد التأويلية التي يتيحها التراث لصياغة تصور أكثر عدالة وإنصافًا حول مفهوم الصلاح والفلاح.
التطبيقات المعاصرة والتحديات الراهنة:
يرجى التواصل معنا على البريد الالكتروني لأية استفسارات حول تقديم الطلب amresearch@qf.org.qa