Blog
"لمن كان له قلب"
ثلاثة مفاتيح للسير إلى الله
هل تساءلتِ يومًا عما يملأ فراغ القلب، ويداوي سقم الروح؟ عما يعيد الإنسان إلى الله بقلب حاضر، لا بجسد متحرك فحسب؟ هل تتوقين إلى التقرب إلى الله، وتجهلين بداية الطريق؟
الدكتورة حنان قطان تناولت هذه الأسئلة، في محاضرتها العامة بتاريخ 20 يوليو 2025" لمن كان له قلب"، المستنبطة من كتاب "مدارج السالكين" لابن القيم الجوزية، سبرت الدكتورة حنان القطان أغوار النفس التواقة إلى الله أبداً، وقدمت خارطة طريق إلى الله؛ تبدأ من القلب، بثلاث محطات إيمانية أساسية: الذكر، والاعتصام بالله، والفرار إليه. يمكنك امتلاك مفاتيح تلك المحطات القلبية لتبدئي الآن.
في عالم يضجّ بالصخب وتتزاحم فيه الضغوط الحياتية، كثيرًا ما ننصرف عن تأمّل أحوال قلوبنا، عن البوصلة في رحلة الإيمان. إن رحلتنا الإيمانية ليست مجرد أفكار نظرية فحسب، بل هي خارطة عملية لإحياء القلب، وإصلاح السريرة، والتقرب إلى الله.
دعونا نكتشف معًا هذه المحطات الثلاث:
- الذِكِر: هو أول مفاتيح القلب، وهو العلامة الفارقة بين القلوب الحية والقلوب الميتة؛ فكيف نحيي الذكر في قلوبنا، وكيف نحيا بالذكر؟
يتجاوز الذكر عملية تحريك اللسان، إلى حالة حضور القلب واتصاله بالله، فالذكر يبدأ بالـتذكرة، أي التنبه من الغفلة واللهو، والعودة الدائمة إلى الله بالتوبة والإنابة. جاء في القرآن الكريم: " وما يتذكر إلا من ينيب" (غافر: 13)، لقد أمرنا الله تعالى بالذكر، لما له من فوائد تنعكس على حياتنا؛ فالذكر يفتح القلوب لمعرفة الله سبحانه وتعالى، ويزيل أقفال الفتن والشهوات، ويقود إلى الاستبصار وأخذ العبرة من كل موقف.
كيف نحيي الذكر في حياتنا؟ خصصي وقت يوميًا، للاستغفار والتدبر في آيات الله، والتفكر في خلقه وملكوته سبحانه؛ السماء، الأرض، النجوم، النبات؛ وتدربي على حضور القلب والإنصات للموعظة، بعيدًا عن الانشغال بقائلها. ستجدين أثرًا كبيرًا في حضور قلبك وصفاء روحك.
- الاعتصام بالله: إن الاعتصام بالله هو الدرع الواقي في رحلة الإيمان، وهو يعني التمسك بالركائز الإيمانية الداعمة، التي تحفظ الإنسان، وتقيه من الهلاك؛ ويتجلى ذلك باللجوء إلى الله في كل الأحوال، لطلب القوة والثبات، والاعتصام بحبله المتين، وذلك بالتمسك بشريعة دينه جل وعلا؛ والتي تتضمن القرآن الكريم، والسنة الشريفة، واتباع الجماعة. إن دوام الاعتصام بالله، يفضي إلى ثمرات إيمانية عميقة، منها العصمة من البدع والانحرافات، والثبات على الطاعة والإخلاص لله، ونيل السعادة في الدنيا والآخرة.
- الفرار إلى الله: هو اللجوء الكامل إليه، والانقطاع عما سواه، والتيقن بأن الفرار إلى العباد بظن الخلاص هو فرار محدود قاصر، لأنه فرار إلى مخلوق ضعيف لا يملك من أمر القدر شيئًا، وربما يقود إلى الهلاك وسوء العاقبة. إن الفرار الحقيقي هو التعلق بالقوي مدبر الأمر كله. يتجلى الفرار إلى الله بترك المعاصي والذنوب، والابتعاد عن أسباب الفتن والهموم، والاعتماد الكامل على الله تعالى، والرضا بقضائه وقدره، مع التعلق بالذكر والدعاء والعبادة. إن للفرار إلى الله آثارًا تنعكس على القلب والسلوك، وتتجلى في الخشية من الله وحده، والتحرر من الخوف مما سوى الله، وامتلاء القلب بالطمأنينة والسكينة، وتزايد اليقين بالله، الذي يدفع إلى التجدد الدائم في الحياة.
دروس عملية
رحلة السير إلى الله تمر بثلاث محطات قلبية أساسية:
- الذكر الذي يقود إلى يقظة القلب وحضوره.
- الاعتصام بالله وحبله الذي يمنح الثبات والحماية والهداية.
- الفرار إلى الله الذي يحقق الطمأنينة والسكون.
والبداية بسيطة جدًا: اغرسي في نفسك حب الله، واذكري الله بنية خالصة وصدق في القلب في كل وقت وحين، ليكوّن رصيدًا لك يقوي بصيرتك، ويعينك في مسيرتك. وتذكّري دائمًا الوعد والوعيد؛ حافزًا للرجوع إلى الله، ولا تنسي أن تتدبري القرآن، وتجعليه جزءًا من يومك، فهو يقظة القلوب.
داومي على ورد يسير من القرآن، وعلى الاستغفار، وعلى لحظات للتفكر، فهذه ليست أفعالًا صغيرة، بل بذور لقلب حي. تذكّري أن السير إلى الله لا يُقاس بعدد الخطوات، بل بصدق الالتفات إليه. من يصدق في طلبه، يُفتح له الطريق. فالله أقرب إليك مما تظنين، والطمأنينة تنتظر من يطرق بابها بقلب حي.
اللهم افتح لنا أبواب الوصول إليك، واجعل من خطواتنا طريقًا إليك.
هلا محمود